يناقش مقال للكاتب عمرو عدلي منشور على موقع المنصة، مستقبل مراكز البيانات في مصر، وما إذا كان التوسع في استضافة هذه المنشآت الضخمة يمكن أن يحول البلاد إلى مركز إقليمي للذكاء الاصطناعي، أم أنه قد يفرض ضغوطًا كبيرة على مواردها المحدودة من الكهرباء والمياه.

 

ارتفعت التوقعات بشأن توثيق العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين منذ زيارة الرئيس الصيني في وقت سابق من أكتوبر، ولم تكن تلك التوقعات مجرد تكهنات. فقبل الزيارة بفترة قصيرة، طرحت شركة «هواوي» الصينية فكرة إنشاء مركز بيانات ضخم في مصر.



وأُعلن المشروع بالفعل بعد أيام قليلة من مغادرة الرئيس الصيني، لكن الشركة التي توفر التكنولوجيا ليست صينية، بل شركة «إنفيديا» الأمريكية.


ويرى بعض المراقبين أن هذا التطور يمثل جبهة أخرى في المنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة. لكن السؤال الأهم، من وجهة نظر الكاتب، يتمثل في مدى توافق دخول مصر هذا السباق مع مصالحها الاقتصادية.


وتشير تجارب سابقة لدول مماثلة لمصر من حيث الثقل الاقتصادي إلى أن العوائد الناتجة عن هذه المشروعات قد لا تكون بالحجم الذي تبدو عليه. والأهم من ذلك أن هذه المشروعات ستفرض ضغوطًا كبيرة على الموارد.

 


لماذا تبني شركات التكنولوجيا مراكز بيانات في مصر؟


يعرّف قاموس كامبريدج على الإنترنت مركز البيانات بأنه مبنى يضم عددًا كبيرًا من أجهزة الكمبيوتر القوية والأنظمة اللازمة لتشغيلها، بما يسمح بمعالجة كميات ضخمة من البيانات بكفاءة ودون انقطاع.


وأصبحت مراكز البيانات موضوعًا بارزًا خلال الفترة الأخيرة، مع قيادة قطاع الذكاء الاصطناعي موجة النمو والاستثمار في الولايات المتحدة والصين. لكن هذه المراكز ليست ظاهرة جديدة، إذ سبقت الذكاء الاصطناعي بصورته الحالية بعقود، بل تعود جذورها إلى عصر ما قبل الإنترنت.


ويطرح حجم الاستثمارات في هذا القطاع سؤالًا مهمًا: لماذا تسعى شركات التكنولوجيا العملاقة إلى بناء هذه المشروعات في مصر؟


ولا يزال دور مصر في مجال الذكاء الاصطناعي يرتكز أساسًا على استخدام التكنولوجيا، وليس على ابتكارها أو تطويرها أو طرحها للبيع للجمهور.


وهنا تكمن نقطة تستحق القلق. إذ تبحث الشركات العالمية عن دول نامية مثل مصر لاستضافة هذه المراكز، مستفيدة جزئيًا من موقعها وبنيتها التحتية، كما ظهر خلال مباحثات مذكرة التفاهم الأخيرة التي شارك فيها مارك دومينيك، نائب رئيس «إنفيديا» لقطاع المؤسسات في الشرق الأوسط.


لكن خلف الحديث المؤسسي عن مهارات الذكاء الاصطناعي والحوسبة، تكمن حاجة الشركات إلى الاستفادة من موارد مصر من الطاقة والمياه.


وتعتمد مراكز البيانات على بنية تحتية ضخمة تشمل محطات الكهرباء وشبكة الطاقة ومياه نظيفة لتبريد ملايين المعالجات الدقيقة والمعدات المساندة، بما يسمح لأجهزة الحوسبة العملاقة بمعالجة كميات هائلة من البيانات بصورة فورية.


وأثارت هذه الاحتياجات المكثفة من المرافق احتجاجات شعبية بسبب الأضرار البيئية وارتفاع فواتير الكهرباء للمنازل. وأصبح الأمر محل جدل داخل الولايات المتحدة نفسها، بالتزامن مع الاستعداد لانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

 


تجربة تشيلي تكشف حدود العائد الاقتصادي


ربما يأتي أهم درس لمصر من تشيلي، التي تعد واحدة من أبرز الدول المستضيفة لمراكز البيانات في العالم. وتشهد العاصمة سانتياجو تصاعدًا في النزاعات حول ندرة المياه العذبة بالتزامن مع توسع هذه الاستثمارات.
 

لذلك، ينبغي النظر إلى تجربة تشيلي وطرح سؤال أساسي: هل تتجاوز مكاسب استضافة مراكز البيانات في مصر الخسائر المتوقعة؟


وقد يكون تجاهل هذا السؤال ممكنًا إذا كانت مصر قادرة على جذب استثمارات أجنبية ضخمة في البنية التحتية، وكانت تمتلك فائضًا من الطاقة والمياه. لكن البلد يعاني ضغوطًا حادة في كلا المجالين، وقد يكلف تجاهل هذه الحقيقة الاقتصاد أكثر مما يحقق له من مكاسب.


وعلى نحو أكثر جوهرية، إذا كانت مراكز البيانات ستدمج مصر في منظومة الإنتاج التكنولوجي العالمية، فأين سيكون موقعها في سلسلة القيمة؟ هل ستؤدي دورًا كبيرًا يدفع النمو الاقتصادي الوطني، أم ستستحوذ على قدر محدود للغاية من القيمة المضافة؟


ولا تبدو تجربة تشيلي واعدة في هذا الجانب أيضًا.


فتشيلي تستضيف منشآت تخزن البيانات وتعالجها لصالح بعض أكبر الشركات في العالم، ومعظمها شركات أمريكية، وعلى رأسها «جوجل» و«مايكروسوفت» و«أمازون». لكن الشركات التشيلية اقتصرت على تقديم خدمات ذات قيمة مضافة منخفضة نسبيًا.


وانصب عملها على الإنشاءات وصيانة شبكات الكهرباء والاتصالات وأنظمة التبريد. وقد حققت هذه الأنشطة دخلًا للبلاد، كما أتاحت للمهندسين والفنيين التشيليين اكتساب مهارات وخبرات جديدة، لكنها لم تفتح الطريق أمام توطين التكنولوجيا أو زيادة المبيعات المحلية للمعدات والمكونات عالية التقنية.


وتظهر محدودية العوائد التشيلية بوضوح في صادرات السلع عالية التقنية، التي ظلت منذ عام 2000 أقل من نصف بالمئة من إجمالي صادرات البلاد. ويقل هذا المعدل عن مصر، التي سجلت 2.3%، وإن كانت النسبة المصرية نفسها تبدو محدودة مقارنة بإسرائيل التي سجلت 17.7% وكوريا الجنوبية التي سجلت 28%.


ولا تبدو الصورة أكثر تشجيعًا في مجال الخدمات التكنولوجية. فخلال الفترة من 2015 إلى 2024، وهي فترة شهدت نموًا ملحوظًا في استضافة مراكز البيانات، شكلت صادرات خدمات تكنولوجيا المعلومات في تشيلي متوسطًا بلغ 5.4% من إجمالي صادراتها. ولم يتجاوز ذلك بفارق كبير متوسط الفترة من 2000 إلى 2014، الذي بلغ 3.7%.


وفي المقابل، سجلت مصر متوسطًا بلغ 5% خلال الفترة نفسها من 2015 إلى 2024، رغم أنها لم تستضف مركز بيانات واحدًا لصالح إحدى شركات التكنولوجيا العملاقة.


وتشير هذه الأرقام إلى أن استضافة مراكز البيانات التابعة لأكبر الشركات العالمية لم تغير موقع تشيلي في التقسيم الدولي للعمل. فقد ظلت الأجزاء الأعلى قيمة مضافة من سلسلة التوريد في أيدي الشركات الأمريكية الكبرى، بينما اقتصرت الشركات التشيلية على أعمال الإنشاء والصيانة دون التقدم إلى مراحل أعلى.


وإذا أضفنا إلى ذلك اعتماد وجود هذه الشركات في تشيلي على سهولة الوصول إلى مساحات شاسعة من الأراضي، فضلًا عن الطاقة والمياه، في بلد يعاني أيضًا ضغوطًا مائية، تصبح الصورة أكثر وضوحًا. فقد اقتصر الدور الرئيسي لتشيلي على توفير الموارد الطبيعية، والمفارقة أنها لا تملك فائضًا منها.

 


مراكز البيانات.. استثمار تكنولوجي أم استنزاف للموارد؟


تتميز مراكز البيانات بكثافة استخدامها للتكنولوجيا ورأس المال والطاقة، ولذلك لا توجد مساحة كبيرة للحديث عن خلق أعداد ضخمة من الوظائف. وربما يفسر ذلك اتساع حركات الاحتجاج في تشيلي ضد التوسع في مراكز البيانات، بالتوازي مع تحركات مماثلة في الولايات المتحدة ودول أخرى.


وربما يفسر هذا أيضًا سبب بحث الشركات الأمريكية عن أماكن جديدة لاستنزاف الموارد الطبيعية. ويبدو أن أنظارها تتجه هذه المرة إلى مصر.


ويبقى السؤال الأساسي أمام القاهرة أكبر من مجرد جذب استثمار جديد. فاستضافة مركز بيانات ضخم قد تبدو للوهلة الأولى فرصة لدعم الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، لكن قيمة المشروع الحقيقية تتوقف على ما إذا كانت مصر ستتمكن من الحصول على حصة مرتفعة من القيمة المضافة، أم ستكتفي بتوفير الأرض والكهرباء والمياه والبنية التحتية.


فإذا اقتصر دور مصر على استضافة منشآت تخدم شركات تكنولوجية عالمية، بينما بقيت المعرفة والبرمجيات والمعدات والخدمات الأعلى قيمة خارج البلاد، فقد يتحول المشروع من فرصة للتوطين التكنولوجي إلى نموذج آخر لاستخراج الموارد.


وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل الضغوط التي تواجهها مصر في قطاعي الطاقة والمياه. فمراكز البيانات تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء للحفاظ على تشغيل معدات الحوسبة، كما تحتاج إلى المياه في أنظمة التبريد، ما يجعل التوسع فيها مرتبطًا مباشرة بأمن الموارد في البلاد.


ولا يكفي إذن أن تتحول مصر إلى موقع جذاب للشركات العالمية. فالرهان الحقيقي يكمن في قدرتها على تحويل هذه الاستثمارات إلى معرفة محلية، وسلاسل توريد وطنية، ومهارات متقدمة، وصناعة تكنولوجية قادرة على إنتاج قيمة تتجاوز مجرد تشغيل المنشآت وصيانتها.


وإلا فإن السؤال سيظل قائمًا: هل تريد مصر أن تصبح مركزًا إقليميًا حقيقيًا للذكاء الاصطناعي، أم مجرد موقع جديد تستهلك فيه مراكز البيانات كميات هائلة من الكهرباء والمياه؟

 

https://almanassa.com/en/stories/34114